Follow Me

الأحد، 26 يوليو 2015

أفاق التوجيه التربوي - قراءة في المسار و استشراف الآفاق-



أفاق التوجيه التربوي
- قراءة في المسار و استشراف الآفاق-
مولاي اسماعيل الفلالي*.
لقد عرفت منظومة التوجيه والتخطيط التربوي محاولات عديدة للإصلاح فمنذ إقرار الميثاق الوطني مرورا بمنتديات الإصلاح كان التوجيه والتخطيط التربوي يتداول بشكل ملموس و خصصت له دعامة كاملة بالميثاق إلا أن الأجرأة و التفعيل لم يرقيا إلى المستوى المطلوب وذلك بالنظر الى الإكراهات التي تحول دون تحقيق المراد في هذا المجال.إن الامر – في اعتقادنا- يتعلق بازمة مركبة: أزمة انطلاقة وأزمة هوية. ولذلك لا بد من الرجوع الى تاريخ التوجيه بالمغرب لنقف على جذور هذه الازمة التي لا يمكن فهما فقط من خلال الوقوف على بعض مظاهرها، بل ينبغي موقعتها في سياقها التاريخي لنفهم طبيعة النمو الذي عرفه هذا المجال .فماهي ملامح هذه الأزمة وأين وصلت ممارسة التوجيه في العالم المتقدم ؟ وما هي بعض المداخل لإصلاح هذا المجال ببلنا؟
إن الحديث عن أزمة التوجيه التربوي بالمغرب يجعلنا نسجل ملاحظة أولية وأساسية في هذا الباب، و هي أن حجم التعاطي مع هذه الاشكالية وطبيعة المقاربات والوسائل المعتملة في ذلك كانت تتغير تبعا للظروف الذاتية والسياقات الموضوعية التي يجري فيها التعامل مع إشكالات وتحديات ورهانات هذا المجال. وهكذا انطلق التوجيه التربوي بالمغرب، تحت الحماية ، بقرار المقيم العام إيريك لابونEIRIK LA BONNEبتاريخ 4 ماي 1946 والذي قضى انذاك بخلق مراكز التوثيق والتوجيه CDO ، وقد كان هذا التوجيه مهنيا من خلال توجيه التلاميذ الحاصلين على "شهادة التعليم" او "شهادة الكفاءة المهنية" نحو تكوينات قصيرة الامد بهدف ادماجهم في الحياة العملية مباشرة . لغاية ان اصبح التوجيه غداة الاستقلال يعني بتوزيع التلاميذ على مختلف الشعب الدراسية وهي الفترة التي شرع فيها بتطبيق بمفهوم التخطيط على عهد العمل بالمخططات الخماسية ، حيث عمد المسئولون في وزارة التربية والتعليم لمواجهة ارتفاع وتيرة اعداد المتمدرسين ، للتحديد المسبق لأعداد هؤلاء التلاميذ بالنسبة لكل شعبة على الصعيدين الوطني والجهوي .الشئ الذي كرس مقاربة التخطيط من خلال "الخريطة المدرسية" التي كانت مقاربة تأسست على فكرة " تدبير الطلب الاجتماعي" كهدف معلن ، وعلى الانتقاء "كهدف ضمني".وعلى "التوجيه الالزامي" كقاعدة و"التوجيه الاختياري" كممارسة استثنائية تحدد هامشها معطيات الخريطة المدرسية. ولذلك يمكن القول أن التوجيه التربوي بعد الاستقلال بدا تخطيطا تربويا بامتياز . حيث انشغل هذا التخطيط بتدبير تدفقات التلاميذ ، انطلاقا من معطيات الخريطة المدرسية التي تحدد نسب التشعيب انذاك .
لقد كرس هذا المنظور للتخطيط التربوي عزلة قطاع التوجيه وحصر دور المستشار في حملات اعلامية موسمية ضيقة داخل المؤسسات يقوم بها موظفون إداريون (مستشارو التوجيه والتخطيط التربوي آنذاك).
كانت تلك إذن بعض ملامح أزمة الانطلاقة لمجال التوجيه. إلا أنه، وبعد نزول التوجيه التربوي للمؤسسات سنة 1987، بدأت ملامح ازمة الهوية تظهر، ذلك أن طبيعة العمل بالقطاعات المدرسية لم تكن واضحة في أذهان المستشارين الذين غالبا لا يجدون المؤسسات التعليمية مهيأة لاستقبالهم كوافدين جدد، ولا هي قادرة على استيعاب طبيعة تدخلاتهم وخدماتهم .وهنا بدأ سؤال الهوية يطرح بشدة .فمن يا ترى هذا المستشار وما طبيعة عمله؟ وما هو الدور المطلوب منه ؟ وما هي المقاربة البيداغوجية التي سيعتمدها في عمله؟ لم يجد المستشار إذن تأصيلا نظريا يستند اليه ، ولا تراكما للتجارب يبني عليه . ولم يسبق نزول التوجيه للمؤسسات التعليمية نصوصا تنظيمية توضح لباقي الفاعلين التربويين والاداريين طبيعة مهام المستشار ولا كيفية التنسيق معه لانجاز مهامه .فما كان من البعض إلا أن حاول التأقلم مع الوضع باللجوء الى مبادرات شخصية، قلما كانت تؤتي أكلها بالنظر الى إكراهات الواقع(تعدد المؤسسات، وارتفاع اعداد التلاميذ طالبي خدمة التوجيه...) . وبمجيء الميثاق الوطني للتربية والتكوين بدأت الامور تتحسن نسبيا حيث تم الاقرار ولأول مرة بوظيفة التوجيه وبدوره ، وذلك من خلال تبني الميثاق لمقاربة تربوية ، تلكم المقاربة التي نوقشت في المناظرة الوطنية الاولى لتطوير وظائف واليات الاستشارة والتوجيه سنة 2005 ، و ترجمت في المذكرة 91 التي حددت الادوار الجديدة للمستشارين في التوجيه. لكن الوضع لم يستقر ، فقد فشل النظام التعليمي في تحقيق أهداف عشرية الميثاق الوطني والمتمثلة في توسيع قاعدة التعليم وتحقيق جودته وموائمته مع النظام الاقتصادي. مما حذا بالمسؤولين مرة ثانية للبحث عن سبل معالجة الاختلالات الملاحظة. فكان البرنامج الاستعجالي الذي أريد له أن يكون نفسا اصلاحيا ومحاولة لتدراك للأخطاء فجاء بمنهجية العمل بالمشاريع وأفرد للتوجيه التربوي مجالا خاصا به وهدفا معلنا تمثل في وضع نظام ناجع للإعلام والمساعدة على التوجيه، حيث اعتبر التوجيه أحد الاليات الاساسية لمعالجة الاشكالات الافقية للمنظومة، لتصدر بعدها المذكرات 17 و18 و19 وكذا مجموعة من الوثائق الداعمة ( دليل الاعلام والمساعدة على التوجيه – عدة المشروع الشخصي...). لكن هذا المشروع لم يجد التعبئة اللازمة ولا الاستعداد الكافي من طرف مختلف الفرقاء والمتدخلين في الشان التربوي . ويبدو ان المجتمع المدرسي لم يكن مؤهلا بالشكل الكافي ليعي ان التوجيه شان تربوي عام يساهم فيه كل الاطراف والفاعلين كل من موقعه. وبقيت دار لقمان على حالها . 
وبمجيء وزارة التربية الوطنية في نسختها الجديدة ، وفي ظل استمرار أزمة النظام التربوي ، وعجزه عن تحقيق أهدافه ، خرجت هذه الوزارة بمخطط عمل جديد يروم القطع مع البرنامج الاستعجالي وبناء تصورات جديدة لإصلاح المدرسة المغربي.فأفرد هذا البرنامج لمجال التوجيه مجموعة من التدابير والعمليات همت أساسا الرفع من أعداد المتخرجين بالمركز و إرساء بنيات الإعلام والتوجيه و إحداث وكالة وطنية للإعلام والتوجيه..)، 
ولا زلنا ننتظر تفعيل الكثير من هذه التدابير .
كان هذا عن السيرورة التاريخية لتطور مجالي التوجيه والتخطيط . فما هي الملاحظات الاستناجات التي يتيحها استقراء هذا المسار التاريخي؟ يمكننا ان نسجل في هذا الصدد مايلي:
- غياب تصور استراتيجي لمجالي التوجيه والتخطيط التربوي منذ إنطلاقتهما.
- تقلبات مستمرة تحدث تبعا لتغير المسؤولين عن السياسة التعليمية. 
- استمرار الغموض والضبابية بخصوص طبيعة إ طار مستشار التوجيه والمهام المسندة له
- غياب إطار قانوني منظم لمجالي التوجيه والتخطيط التربوي.
- تكوينات اساسية ومستمرة لا تستجيب لمتطلبات الممارسة المهنية
- عدم وجود دليل مرجعي للكفايات .
- غياب وكالة وطنية للتقويم والتوجيه
- أزمة منظومة التوجيه والتخطيط من أزمة منظومة التربية والتعليم ككل.
أما الحديث عن تطور هذا المجال في البلدان التي سبقتنا فيه ، فقد لا يسع المجال للتفصيل فيه. لكننا نؤكد هما على أن التطورات التي عرفها مجال التوجيه في البلدان الغربية كان محركه ودافعه الاساس الضغوط ط المتزايدة للعولمة التي افرزت إشكالات وتحديات كبيرة على مستوى توجيه واختيارات الافرد في عالم اللايقيين والتغيرات المتسارعة، وادت الى ظهور مفهوم جديد للتوجيه ، ألا وهو التوجيه مدى الحياة ، بماهو عملية مستمرة طوال الحياة وبما هو إنضاج للميولات ومصاحبة في بناء المشاريع الشخصية للمتعلم واكتساب لكفايات مستعرضة تمكن الفرد من التموقع باستمرار ومن تكييف القررات المتخذة وفقا للمستجدات . لذلك لا يمكن الحديث في بلدنا عن هذا النوع من التوجيه في ظل المنظور التقنوي والاداري للتوجيه. إن ما جاء به الميثاق الوطني للتربية والتكزين ومن بعده البرنامج الاستعجالي من اهداف تنحو جعل التوجيه شأنا تربويا عاما يتغيا إقدار التلاميذ على الاختيار ويساهم في معالجة اختلالات المنظومة ، يفرض راهنيته اليوم ويتسدعي منا جميعا تفعيل التدابير الجيدة التي وضعها في افق ارساء مقاربة المدرسة الموجهة.كمقاربة تجعل من كل الفاعلين التربويين والاداريين والشركاء الداخليين والخارجيين للمؤسسة معنيين بالتوجيه.ونعتقد ان "دليل الاعلام والمساعدة على التوجيه" وهي الوثيقة التي انتجتها خيرة أطر التوجيه التربوي، كفيلة بارساء هكذا ممارسة داخل مؤسساتنا . وبالتالي نوصي باعتمادها بقوة كأرضية للعمل المشترك من شانها إتاحة الفرصة لإشراك الجميع في الشأن التربوي.
وانطلاقا من رغبتنا الاكيدة في إصلاح مجال التوجيه التربوي الذي أصبح اليوم ضرورة ملحة ، نقترح مدخلين اساسيين:
1- المدخل التمهيني
إن الحديث عن تمهين مجال التوجيه التربوي، أو الانتقال بهذا العمل الى طور المهننة ، يقتضي بالضرورة مراعاة العناصر التالية :
• إعادة النظر في معايير الاختيار للالتحاق بمؤسسة إعداد المستشار في التوجيه او التخطيط التربوي.
• إعادة النظر في معايير الإعداد لمهنة إطار في التوجيه او التخطيط التربوي من خلال الارتقاء بالتكوين الاساسي والمستمر في اتجاه ترصيد تجارب المتدربين، وإدخال مجزوءات جديدة للبرنامج التكويني ليلبي حاجيات الممارسة المهنية. مثل ( المساعدة على التوجيه –المصاحبة المدرسية - تحليل الممارسات- تقنيات التواصل - إعداد وتدبير المشاريع ..) وربط التكوين داخل المركز بالجامعة بحيث يصبح معهدا يقدم بالاضافة الى التكوين المهني لفئة المستشارين ، تكوينات أساسية في علوم التوجيه ، تسلم على اثرها دبلومات وفقا لنظام LMD.. 
• تحديد الاهداف المجتمعية للتوجيه والتخطيط التربوي (تحديد الوظائف التي تقوم بها المهنة).
• على مستوى الممارسات المهنية نرى أن يمارس المستشارون في التوجيه التربوي مهامهم بالمراكز الاقليمية للإعلام والمساعدة على التوجيه طبقا للمهام المسندة لهذه البنيات وبالمؤسسات التعليمية ، وينطلقون من هذه المراكز لمباشرة مهامهم ( بفضاءات الاعلام والمساعدة على التوجيه) بالمؤسسات الثانوية بمعدل نصفي يوم أسبوعيا ينجز فيه المستشار أنشطته طبقا لبرنامجه الدوري. وفي هذا الإطار يقوم المركز الاقليمي للإعلام والمساعدة على التوجيه بداية كل سنة بعقد لقاءات مع رؤساء المؤسسات التعليمية بالإقليم وذلك من أجل التعاقد على برنامج خدمات الاعلام والمساعدة على التوجيه التي ستقدم بمؤسساتهم (ويمكن في هذا الصدد اعتماد منهجية العمل المقترحة في دليل انشطة الاعلام والمساعدة على التوجيه، كما يمكن الاستعانة بحقيبة التلميذ Portfolio الخاص بالإعدادي، وبعدة المشروع الشخصي للمتعلم بالابتدائي )، ويتعين على المؤسسات التعليمية أن تفرد محورا خاصا بالإعلام والمساعدة على التوجيه ببرنامج عملها السنوي بتنسيق مع المستشار في التوجيه في إطار التعاقد مع المركز الاقليمي ، ويكلف المستشارون في التوجيه التربوي بالمهام التالية :
إجراء مقابلات مع التلاميذ وأولياءهم
الاشراف وتأطير الفريق التربوي بالمؤسسة بخصوص أنشطة الاعلام والمساعدة على التوجيه. 
إنجاز الروائز السكوتقنية.
إنجاز أنشطة المصاحبة المدرسية 
إنجاز كشوفات الكفايات BILAN DE COMPETENCES
المساهمة في انجاز أبحاث تربوية مع فريق المستشارين بالمركز.
المساهمة في تنظيم التظاهرات والمنتديات والأنشطة الاعلامية تحث إشراف المركز.
المساهمة ضمن فريق المركز في تنظيم الزيارات للمقاولات.
تتبع المشاريع الشخصية للمتعلمين.
2- المدخل التنظيمي التشريعي
- التدقيق في معايير مزاولة المهنة في النظام الاساسي المقبل(وضوح الاهداف والمهام والأدوار والعلاقات).
- إعداد د دليل مرجعي للكفايات، 
- اخراج قانون إطار لممارسة المهنة.
- انتظام أطر التوجيه والتخطيط التربوي في هيئات مهنية منظمة قانونا، يكون بيدها حق منح الترخيص بمزاولة مهنة مستشار او مفتش في التوجيه والتخطيط التربوي، وتنمية قيم وأخلاقيا ت خاصة بالمجال، وتوثيق العلاقة مع المهن الاخرى وكذا تحديد الضوابط السلوكية لمزاولة المهنة.(ميثاق اخلاقي). وهي المهام التي يمكن ان تنهض بها نقابة أطر التوجيه والتخطيط التربوي المؤسسة حديثا 
- إخراج الوكالة الوطنية للتوجيه والتقويم لتضطلع بدورها في مساعدة المستشارين على المساهمة في وضع وتتبع عدة التقويمات التنبؤية بالمسارات الدراسية والتكوينية للمتعلمين والطلاب عوض الارتكاز على التوجيه بشكلها الحالي والمعتمد على تقويم التعلمات السابقة ، والتي نحكم من خلالها على تعلمات لاحقة .
تلكم إذن بعض عناصر الحلول التي نقترحها اليوم آملين أن تجد حظها من النقاش المفتوح والتصويب والاغناء، في أفق عقد مناظرة وطنية في الموضوع.
* مستشار التوجيه التربوي
نيابة شيشاوة

previous article
رسالة أحدث



إرسال تعليق

no

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *